الأحد، يونيو 21، 2009

قراءة في كتاب ..وعد بلفور ...

قراءة وإعداد: الباحث مصطفى أنطاكي

الكاتب: الدكتور جورج جبور ‏
الإصدار: الإدارة السياسية ‏

«عزيزي اللورد روتشيلد يسعدني كثيراً أن أنهي إليكم نيابة عن حكومة جلالة الملك التصريح التالي تعاطفاً مع أماني اليهود الصهيونيين التي قدموها ووافق عليها مجلس الوزراء: إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وسوف تبذل ما في وسعها لتيسير تحقيق هذا الهدف.. وليكن مفهوماً بجلاء أنه لن يتم شيء من شأنه الإخلال بالحقوق المدنية والدينية للجماعات غير اليهودية المقيمة في فلسطين، أو بالحقوق والأوضاع القانونية التي يتمتع بها اليهود في أية دولة أخرى، إني أكون مديناً لكم بالعرفان لو قمتم بإبلاغ هذا التصريح إلى الاتحاد الصهيوني». المخلص آرثر بلفور 2/11/1917
«في 16/11/2002 أي بعد 85 عاماً ونيفاً على صدور هذا الوعد نقلت الصحف تصريحاً لوزير خارجية بريطانيا مؤداه: إن وعد بلفور حدث مهم بالنسبة إلينا.. لكنه ليس مشرفاً كثيراً».
هذا الكتاب يعالج حدثاً فارقاً في مرحلة من أهم مراحل القضية الفلسطينية بل مرحلة خلقها، ويعكس الجذر الأول لمشكلة من أعصى ما تواجهه الدبلوماسية المعاصرة. بحق إن الوعد جاء من غير صاحب حق إلى غير صاحب حق إلا أن كل متابع لتطورات الأحداث منذ تسعين عاماً يدرك أن: ‏
* إلغاء هذا الوعد وما ترتب عليه ليس على جدول أعمال عالم اليوم. ‏
* القادة العرب قد خلصوا بعد أن تفهموا هذه الحقيقة إلى ضرورة تنفيذ القرارات الدولية التي تدعمها مبادرة السلام العربية. ‏
* "إسرائيل" لا تكتفي بما حققته من مكاسب سياسية وجغرافية حتى الآن بل هي تحاول تفريغ القرارات الدولية تلك ومبادرة السلام العربية من مضمونها وتسعى إلى تحقيق مكاسب جديدة لاسيما على صعيد التوسع في الاستيطان. ‏
* هذا الوعد المشؤوم- من وجهة النظر الصهيونية- لم يحقق أهدافه الاستراتيجية بعد على الصعد كلها، السياسية والدينية والإقليمية بلا لابد من المزيد من الممارسات العنصرية. ‏
* العالم يتجه نحو تقويم الأحداث التي أضرت بالشعوب فراحت بعض الدول تقدم اعتذاراتها المشفوعة ببعض الإجراءات العادلة. ‏
مجلس الشيوخ الأميركي يتخذ قراراً بالاعتذار عن العذابات التي أوقعت بالأمريكيين من أصل إفريقي. ‏
وإيطاليا تعتذر لليبيا المقترن بتعويضات.. واعتذار بلجيكا عن العذابات التي أوقعتها بأهل الكونغو- والمسعى الأرمني بشأن الاعتذار عن مذابح تعرض لها الأرمن عام 1915.. ثم من لا يتذكر الاعتذار الذي قدمه دوكليرك رئيس وزراء جنوب إفريقيا أوائل تسعينيات القرن الماضي الذي شكل المفتاح لإيجاد مخرج لنظام الفصل العنصري الذي عرفته جمهورية جنوب أفريقيا. ‏
وفي 16/11/2002 أقرت بريطانيا بذنب، لم تعترف- لم تعتذر.. كانت خطوة متقدمة لكنها متأخرة فقط أكثر من نصف قرن.
لقد كان عام 1917 عام حصول الصهاينة على شرعية أوروبية مؤيدة لاستيطانهم فلسطين وكان لابد لهذه الشرعية من أن تدعم.. وكان لإنشاء عصبة الأمم فرصة لتدعيمها عن طريق صك الانتداب.. فبموجب الصك أصبحت المنظمة الصهيونية العالمية وبعدها الوكالة اليهودية شريكة في حكم فلسطين تتطور باتجاه صيرورتها شبه حكومة.. وهي في هذا التطور كانت تتماثل مع الأسلوب الذي تطورت به شركة جنوب أفريقيا البريطانية. ‏
في المادة الأولى من شرعة حقوق الإنسان: إن جميع الشعوب لها حق تقرير مصيرها بنفسها.. وهي بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي، وحرة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. ‏
إذاً أين وعد بلفور الذي غصب فلسطين، وغصب إرادة شعبها من تلك المادة؟ قد يقال إنّ تلك المادة من تلك الشرعة قد صدرت بعد وعد بلفور بنحو نصف قرن.. هذا صحيح.. ولكنها نص ناشر للحق معترف به لا مؤسس له.. إنه نص مستمر الاستحقاق العلمي والقانوني والسياسي.. ويزداد استحقاقه لأن النص البديل.. نص وعد بلفور.. إنما هو نص بيّن الإفلاس.. أفلسته مقاومة الفلسطينيين منذ صدر، وأعلنت إفلاسه على الملأ سياسة شارون العنصرية، والإبادية.. بل إذا عدنا إلى نص وعد بلفور بالذات وجدنا أنّ الحكومة البريطانية ذاتها ملزمة بنقضه لأن ما ورد فيه من اشتراط عدم المساس بحقوق غير اليهود بقي حبراً على ورق.. وحكومة بريطانيا تعرف ذلك.. إذاً وبمقتضى القانون الدولي أصبح لزاماً على بريطانيا أن تنقض وعد بلفور.. وأن تقدم الاعتذار الكامل لشعب فلسطين عما لحق به من أضرار كبيرة في حقه التاريخي، في أرضه ويبقى السؤال قائماً.. هل الاعتذار يعيد الحقوق؟ ‏
قد يكون الاعتذار غير مفيد على أرض الواقع.. ولكنه قد يساهم في صحوة ضمير عالمي.. ليس الوصول إلى هذه القناعة بالأمر السهل.. لكنه بالتأكيد أمر وارد.. بل أمرٌ مطلوب. ‏
هذا الكتاب الذي هو مسودة اقتراحات ببرنامج عمل لما تبقى من العقد العاشر من وعد بلفور 2009- 2017 وإلى جانبها بحوث ومقالات ومذكرات ورسائل وأوراق شخصية متنوعة.. كتاب هو أقرب للوثيقة منه للمعلومة ويستحق أن يكون مرجعاً لأصحاب الاختصاص. ‏
مشاركة

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
free counters